الأحد، 27 يناير 2013

من اشتقت السادية من اسمه .. الماركيز دى ساد

كلنا سمعنا بمصطلح السادية , و التي يمكن تعريفها ببساطة بأنها اللذة المتولدة لدى البعض من إلحاق الألم و ‏الأذى الجسدي و النفسي بالآخرين و غالبا ما ترتبط بالعلاقات الجنسية , و قد يظن اغلبنا بأن هذا المصطلح ‏عربي , لكنه ليس كذلك , فهو مشتق من اسم ماركيز فرنسي كانت حياته حافلة بالمغامرات و الفضائح التي جعلته ‏يقضي سنوات طويلة من عمره في السجن , ألف خلالها عدة روايات إباحية تدور حول السادية و العنف ‏المصاحب للجنس و نادت بالإلحاد و نبذ الأخلاق , لذلك كتبه ممنوعة في اغلب بلدان العالم.‏

امضى 27 سنة من عمره في السجن قضاها في تأليف الروايات الاباحية!

مستبد , غاضب , متطرف في كل شيء مع خيال فاجر فاسق و الحاد الى حد التعصب , هكذا يصف الماركيز دي ساد (Marquis de Sade ) نفسه في إحدى رسائله الأخيرة ,  وصف مختصر لحياة جامحة و عاصفة  تمردت على كل شيء فأصبحت لدى البعض رديفا للرذيلة و الانحراف , و لدى آخرين عنوانا للتحرر من القيود التي تكبل النفس البشرية , حياة كانت تجليا للرغبات الجامحة و الشاذة التي تعتمل في عقل و خيال  اغلب الناس الا انها عادة تكبح بسوط التقاليد و الأخلاق و الدين , اما الماركيز دي ساد و أمثاله فيطلقون لها العنان لتفعل ما تشاء.
 
ولد دوناتا  الفونس فرانسوا دي ساد. معروف بـماركيز دى ساد في 2 حزيران / يونيو 1740 في احد القصور الملكية الفرنسية , كانت عائلته تعود في أصولها الى إحدى اعرق و أقدم العوائل الارستقراطية الفرنسية , درس في طفولته على يد عمه آبي دي ساد , الذي كان مثقفا ماجنا , ثم التحق بإحدى المدارس الخاصة بأبناء الطبقة النبيلة لإكمال دراسته , و في سن الخامسة عشر التحق بالجيش في صنف الخيالة الملكية الخفيفة و شارك في القتال أثناء حرب السنوات السبع التي نشبت بين القوى العظمى في أوربا آنذاك , و قد اثبت بسالته في ساحة الحرب فكان فارسا جريئا يقتحم صفوف الأعداء بلا خوف و تمت ترقيته الى رتبة عقيد و هو في سن التاسعة عشر من العمر.
في عام 1763 ترك الماركيز ديي ساد الجيش و عاد الى باريس شابا وسيما يبحث عن المتعة و اللذة , و باريس آنذاك لم تكن المدينة الفاضلة بل كانت قصورها تزخر بأخبار الحفلات الجنسية الماجنة و خيانة الأزواج و الزوجات , و كان البلاط نفسه مرتعا للفساد الأخلاقي إذ كان الملك ينتزع النساء الجميلات من أيدي أزواجهن ليصبحن محظياته و خليلات فراشه و أشهرهن في هذا المجال هي مدام دي بومبادور‏, و كانت نساء البلاط يتخذن العشاق لإشباع نزواتهن حتى أصبح الصراع على الرجال أشبه بالرهان و التحدي , و رغم ان عقوبة الشذوذ الجنسي كانت تصل حد الإعدام الا ان علاقات اللواط و السحاق كانت متفشية بين أفراد المجتمع الراقي , و كانت المنشطات الجنسية و أدوات اللهو الجنسي معروفة و رائجة , و كخلاصة فأن الدولة الفرنسية كانت منخورة بالفساد المالي و الأخلاقي و الذي طال حتى الكنيسة و كان سببا رئيسيا لتصاعد حقد الشعب على الطبقة الارستقراطية إذ بينما كان هؤلاء يلهون و يلعبون كان الناس يرزحون تحت وطأة الجوع و الفقر , و نتيجة لذلك تفشت الأفكار الثورية و عقائد الكفر و الإلحاد و انتشرت الحانات و مواخير الدعارة و الانحلال الأخلاقي , و في هذا المجتمع عاش الماركيز دي ساد و كانت رواياته الماجنة و الخليعة هي انعكاس لنوع حياة و ثقافة كانت رائجة في باريس , مزجها هو بالخيال و عبقها برائحة الدم.
و لأبعاده عن حياة الليل و أحضان بغايا باريس فقد خططت عائلته لتزويجه من رينيه دي مينتري و هي ابنة إحدى العوائل البرجوازية الغنية التي أعجبت بالماركيز الشاب و الوسيم فوافقت عليه في الحال , و قد سكن الزوجان في احد القصور بالقرب من باريس , الا ان الزواج لم يغير شيئا من طباع الماركيز فسرعان ما بدئت أخبار فضائحه الجنسية تنتشر و تصبح على كل لسان , كان يقضي جل وقته في بيوت الدعارة , و لم تقتصر علاقاته الجنسية على النساء بل شملت الرجال أيضا ,  و قد اشتكت الكثير من المومسات من معاملته السيئة لهن اذ كان يتمتع بإلحاق الأذى بهن و تعذيبهن لذلك تعرض للاحتجاز و السجن لفترات قصيرة و قد حذرت الشرطة جميع بيوت الدعارة في باريس من خطر التعامل معه.
في عام 1768 قام بدعوة فتاة فقيرة اسمها روز كيلر الى قصره بحجة مساعدتها , هناك قام بحبسها و جلدها و اغتصابها ثم سكب الشمع المصهور على جسدها و قد تمكنت الفتاة من التخلص من قبضة الماركيز بإلقاء نفسها من نافذة في الطابق الثاني للقصر و هربت مذعورة لتخبر الشرطة , و رغم ان دي ساد أقنعها بواسطة المال لتتنازل عن دعواها ضده الا ان الحكومة قررت إبعاد الماركيز عن باريس و إقصائه ليعيش بعيدا في قلعته في دي لاكوست الواقعة جنوب فرنسا.
في القلعة عاش الماركيز مع زوجته التي كانت تحبه لذلك كانت تحميه و تغطي عليه رغم علمها بأفعاله , و في عام 1771 حضرت شقيقة زوجته لزيارتهم , كانت شابة و عذراء تعيش في الدير من اجل ان تصبح راهبة , و سرعان ما أوقعها دي ساد في حبائله و أقام معها علاقة كان غرضه الأول منها هو إغضاب حماته التي كانت علاقته بها سيئة ,  و استمر دي ساد في مجونه و خلاعته و في عام 1772 اقام حفلة جنسية صاخبة ضمت أربعة بغايا بالإضافة الى خادمه لاتور الذي كان على علاقة جنسية شاذة به , و قد قام الماركيز باستعمال بعض المساحيق القوية كمنشطات جنسية مما أدى الى تسمم إحدى الفتيات لذلك صدر عليه حكم بالإعدام بتهمة استعمال السم إضافة الى ممارسة اللواط , لكن الماركيز تمكن من الفرار الى ايطاليا قبل إلقاء القبض عليه و اصطحب معه أخت زوجته و خادمه لاتور , و قد القي القبض عليه في ايطاليا بعد فترة و تم سجنه مع خادمه في احد الحصون , اما شقيقة زوجته فقد التجأت الى احد الأديرة و بقيت هناك لما تبقى من حياتها.
لم يمضي الماركيز دي ساد فترة طويلة في سجنه اذ سرعان ما تمكن هو و خادمه من الهرب من الحصن تاركا رسالة في زنزانته موجهة الى سجانيه يشكرهم فيها على معاملتهم الجيدة و يتمنى ان لا يعاقبوا بسبب فراره , و عاد الى قلعته في لاكوست ليعيش متخفيا و ليستمر في حياته الماجنة بمساعدة زوجته التي كانت تعشقه الى درجة انها مستعدة لتغفر له كل شيء , حتى علاقته ألاثمة مع أختها , و قد قامت بتوظيف عدد من الخدم الوسيمين و الخادمات الحسناوات لتوفر اللذة التي ينشدها زوجها و الذي كان لا يمل و لا يكل من حفلات الجنس الجماعي الماجنة و التي تشمل الفتيات و الفتيان و تمارس خلالها كل أنواع الشذوذ الجنسي من لواط و سحاق و جنس جماعي و سادية مصحوبة بضرب السياط و وضع اللجام على الأفواه و تكبيل الأيدي و الأقدام و غيرها من الطرق التي برع الماركيز فيها و كتب عنها في قصصه و رواياته الإباحية , و بسبب هذا المجون المصحوب بالجنون , كان اغلب من يوظفهم الماركيز و زوجته يفرون سريعا بسبب التحرش بهم و اغتصابهم أحيانا , و كانت بعض أفعال الماركيز شنيعة الى درجة انه في عام 1777 أتى والد إحدى الفتيات اللواتي يعملن في القلعة و حاول اغتيال الماركيز لكن لحسن حظ هذا الأخير فأن المسدس لم يطلق النار.
في عام 1778 وصلت رسالة الى القلعة تخبر الماركيز بأن والدته مريضة و تحتضر و عندما ذهب لزيارتها في باريس اكتشف انها قد ماتت و القي القبض عليه , كان كمينا دبرته له حماته التي لم تغفر له أبدا إغوائه لأبنتها الصغرى و اصطحابه إياها معه الى ايطاليا , و قد سجن الماركيز في قلعة فينسن و استطاع الهرب منها لكنه سرعان ما قبض عليه مرة أخرى و أعيد الى سجنه ليقضي فيه عدة سنوات أمضاها في تأليف رواياته الإباحية , و في عام 1784 تم نقله الى سجن الباستيل الشهير , و هناك كتب دي سادي بعض أشهر رواياته و منها  "120 يوم في سادوم او مدرسة الفجور" و "جستين" و "جوليت" , و يقال ان الماركيز كان احد الأسباب في انطلاق الشرارة الأولى للثورة الفرنسية ضد الملكية عام 1789 , اذ بينما كانت باريس تغلي بالغضب , صرخ دي ساد من زنزانته للجموع الهادرة في الخارج قائلا : "انهم يقتلون السجناء هنا!" , و لم تمضي سوى أيام حتى قامت الثورة و سقط الباستيل.
أطلق سراح الماركيز دي ساد من السجن عام 1790 , ليجد كل شيء حوله قد تغيير , أبنائه الاثنين و ابنته أصبحوا شباب يافعين بالكاد يعرفونه , و زوجته طلبت الطلاق و حصلت عليه , فأصبح وحيدا لكنه لم يشعر بالحزن بل بالعكس أحس بالراحة للتخلص من قيد العائلة , و تحول الى ثوري حد العظم رغم خلفيته الارستقراطية فأطلق على نفسه اسم "المواطن ساد" و سكن في باريس لأن قلعته في لاكوست دمرتها الجموع الغاضبة أثناء الثورة , و قد التقى بممثلة مغمورة اسمها ماري كويستانس كيسنه , كان زوجها قد هجرها تاركا إياها مع طفل صغير في السادسة من العمر , و قد عاش الاثنان معا و لم يفرقهما سوى الموت , و بدء الماركيز يخوض في الحياة السياسية و انضم الى اللجان الثورية ثم انتخب عضوا في الجمعية الوطنية الفرنسية , و رغم موقفه من الثورة و تأييده لها الا أن الكثيرين كانوا ينظرون اليه على اعتبار انه ارستقراطي سابق , و ساء وضعه مع التحاق ابنه بصفوف المعارضين للثورة , و في عام 1793 فصل من منصبه و اتهم بمعاداة الثورة ليزج به في السجن أثناء فترة الرعب (Reign of Terror ) التي اعدم خلالها الآلاف من الفرنسيين بجرة قلم من رئيس لجنة السلامة العامة , السفاح ماكسميليان روبسبير ,  لكن يبدو ان عنق الماركيز قد نجت من المقصلة بسبب خطأ حدث في السجلات , و في عام 1794 قتل روبسبير و انتهت فترة الرعب و أطلق سراح الماركيز الذي بدئت أموره المادية تسوء فأجبر عام 1796 على بيع أطلال قلعته و ممتلكاته في لاكوست بسعر زهيد , و استمر خلال السنوات التي تلت الثورة بتأليف رواياته الإباحية إضافة الى بعض الروايات السياسية كما قدم عدة عروضا لبعض مسرحياته و قد لاقى بعضها نجاحا و قبولا جيدا بين الجمهور الفرنسي.
في عام 1801 أمر نابليون بونابرت بإلقاء القبض على الشخص الذي ألف روايتي جوستين و جوليت و إيداعه السجن ايا كان و بدون محاكمة , لذلك القي القبض على الماركيز دي ساد و أودع احد السجون في باريس لكنه سرعان ما نقل الى سجن آخر بسبب محاولته إغواء احد المساجين الشباب.
في عام 1803 قامت عائلته بإعلانه مجنونا و دبرت لإخراجه من السجن و أودع في احد المصحات العقلية و قد سمح لعشيقته ماري كيسنه ان تعيش معه حيث ادعت انها ابنته , و في المصحة استمر الماركيز بتأليف رواياته و قدم بعض مسرحياته كما انه لم يتوقف أبدا من البحث عن اللذة الجنسية رغم بلوغه سن السبعين فأقام علاقة مع ابنة احد الموظفين في المصحة و تبلغ من العمر ثلاثة عشر عاما و قد استمرت هذه العلاقة لأربعة سنوات حتى وفاته عام 1814.

في وصيته أمر دي ساد بأن تترك جثته في الغرفة التي يموت فيها لمدة 48 ساعة دون ان تمس ثم تنقل بعدها الى إحدى ضياعه لتدفن فيها , و رغم إلحاده و رفضه لأي مظهر ديني في جنازته الا ان عائلته جلبت كاهنا ليصلي عليه و وضعت صليبا على قبره , و قد تم فتح القبر بعد عدة عقود و أخذت جمجمته من اجل دراستها في علم قراءة الجماجم (نظرية قديمة يرفضها العلم الحديث بالكامل تقوم على أساس ان شكل جمجمة الإنسان يؤثر في تصرفاته و سلوكه) , و بعد وفاة الماركيز قام ابنه البكر بإحراق جميع أوراقه و التي احتوت على الكثير من الروايات و المسرحيات التي لم تطبع , كما قامت العائلة بتغيير لقبها , و الى اليوم يتحاشى اغلب أحفاد دي ساد ذكر أي صلة لهم به.
رغم ضياع اغلب أعماله و كتاباته بعد وفاته الا ان بعضها استطاعت البقاء و خصوصا تلك التي طبعت في حياة الماركيز و من أشهرها  :
- 120 يوما في السادوم او مدرسة الفجور : و هي اعز رواية على قلب الماركيز كتبها أثناء سجنه في الباستيل و أخفاها في قوائم احد الأسرة خوفا من ان يصادرها السجانون , و بعد الثورة اقتحمت الجماهير الغاضبة سجن الباستيل و نهبته فحزن الماركيز بشدة لظنه بأن روايته قد ضاعت مع بقية اعماله التي انتهبها الرعاع , لكن في سنة 1904 تم النسخة التي اخفاها الماركيز عن طريق الصدفة و طبعت و حولت الى فلم ايضا , و تدور قصتها حول أربعة رجال أغنياء يحبسون أنفسهم مع 42 فتى و فتاة في قلعة معزولة فوق الجبال و يدعون إليها أربعة قوادات ليقصصن ما صادفنه في حياتهن من مغامرات جنسية و تصبح قصصهن ملهما للرجال الأربعة لإنزال شتى أنواع العذاب و الإيذاء الجنسي للفتية و الفتيات و التي تنتهي بقتلهم جميعا.
- جستين : و هي عن امرأة شابة ترتكب عدة جرائم فيحكم عليها بالموت و تقوم برواية قصة حياتها الى سيدة أخرى , تخبرها عن تعرضها للاغتصاب في سن الثالثة عشر و عن سوء الحظ الذي رافقها طول حياتها فاغتصبت و اعتدي عليها جنسيا و جسديا أينما ذهبت و حلت , تروي كل ذلك بالتفصيل.
- الفلسفة في المخدع : تدور حول فتاة في الخامسة عشر من العمر اسمها يوجين أرسلها أهلها لتتعلم على يد ثلاثة مدرسين , امرأة و أخيها و خنثي , و يقوم هؤلاء بإقناع الفتاة بان الأخلاق و التقاليد مجرد أكاذيب و يعلموها شتى فنون الجنس و يقيمون حفلات ماجنة يشارك فيها الجميع و عندما تحضر أمها لتخليصها من أيديهم يقومون باغتصاب الأم و تعذيبها و تشترك البنت في ذلك بحماسة و تتمنى قتل أمها فيأتون بعبد مصاب بمرض الزهري ليغتصب الأم و ينقل لها المرض ثم يتركوها لتعود الى بيتها تجر أذيال الخيبة و العار.
و هناك روايات و مسرحيات أخرى كثيرة للماركيز دي ساد تدور جميعها حول نبذ الأخلاق و التقاليد و الدين و ترك الإنسان حرا يفعل ما يشاء بدون أي قيد كما تتضمن جميعها شتى أشكال الإباحية المقرونة عادة بالعنف كالاغتصاب و اللواط و السحاق و زنا المحارم و كل ما يمكن ان يتخيله العقل في مجال الجنس , و رغم ان بعض هذه الروايات نشرت و ترجمة الى لغات أخرى غير الفرنسية , الا أنها في غالبيتها ممنوعة من التداول في اغلب دول العالم لما تحويه من عنف و أفكار سادية , و ربما يكون المجال الوحيد الذي أمكن عرض روايات الماركيز فيه هو الأفلام الإباحية حيث اقتبست اغلبها في هذا المجال.
يبقى ان نذكر ان الماركيز دي ساد , رغم ممارسته للعنف الجسدي و احتواء اغلب قصصه و رواياته على القتل و إراقة الدماء الا ان الرجل لم يعرف عنه بأنه قتل أنسانا سوى ربما في ساحة المعركة , و قد كتب هو عن نفسه قائلا : "لقد تخيلت جميع أنواع المعاصي , لكني بالتأكيد لم اقترفها كلها و لن اقترفها". 
هناك ترجمة للرسائل الماركيز دو ساد اقدمها لكم لمن يحب الاطلاع عليها  

. إن الرسالتين اللتين أضعهما الآن بين يدي القارئ تمثلان جانباً آخر من جوانب شخصية الماركيز دو ساد بالغة التعقيد والعبقرية في آن، وهما تشيان ببعض مشاعره ومعاناته وأفكاره التي مرّ بها خلف القضبان في بداية سجنه الطويل عام 1777. ولعل أكثر ما يلفت النظر في رسائله بروز الهشاشة الإنسانية ومشاعر الأسى والإحساس العميق بالظلم، كما تبرز عاطفته الأبوية والإحساس بالذنب تجاه أبنائه، وغيرها من الاحتراقات التي عاناها في تلك المرحلة، والتي ربما يستغربها من لا يعرفه بشكل وثيق، خصوصاً وأن التصور المأخوذ عنه ككاتب جنسي خليع في الكتابة والحياة، وكشخص عديم الأخلاق، يناقض صورته الحقيقية كإنسان له مشاعره وأفكاره وأحزانه أيضاً.إن الدراسة الوثيقة لتاريخ هذا الشخص تظهر أنه كان شخصاً مهتماً بالفن والإبداع والفكر أولاً وقبل كل شيء. فناهيك عن رواياته الإباحية العظيمة، كتب دو ساد كثيراً في الفن والمسرح والدين والسياسة والرحلات، وأقصد بالأخيرة ما كتبه من انطباعات وأفكار حول البلدان التي كان يزورها ككتاباته حول إيطاليا مثلاً. كما أن قارئ رواياته سينتبه على الفور إلى إطلاعه الواسع، ليس على الآداب المحلية وحسب وإنما على الآداب الأخرى كالهندية والفارسية والعربية أيضاً، أعتقد حقيقة أن زوجته رينيه ـ التي أنجبت منه ولدين هما لويس ماري ودوناتين كلود أرماند، وبنتا واحدة هي مادلين لور ـ كانت واحدة من بين القلائل الذين استطاعوا ملامسة أعماق هذا الكائن الغريب وفهمه ومعرفته حق المعرفة. فهذه الزوجه، التي خانها مع عشرات النسوة لا ابتداءً بخادماتها ولا انتهاءً بأختها آن بروسبير، لم تنقطع يوماً عن مساعدته والوقوف إلى جانبه في محنه ومسامحته في أي وقت يطلب فيه المغفرة عائداً من خياناته. فهي التي كانت ترسل له في سجنه الطعام والثياب والكتب، وهي التي تنقلت معه في تنقلاته من باريس إلى منزله في لوكوست ومن لوكوست إلى باريس، وهي التي ناشدت السلطات كما أسلفنا من أجل الترفق به، وهي التي استقبلته مرة عائداً إليها بخمس خادمات شابات وشاب خدموا واحدة من نزواته الكثيرة، كما جاءها مرة أخرى أيضاً إلى منزله في لوكوست بعدة شابات غادرنه جميعاً عدا كاترين تريل التي رفضت تركه بالرغم من قدوم والدها لاستعادتها، فما كان منه إلا أن أطلق النار على دو ساد دون أن يصيبه، وهي الفتاة التي سيسمّيها دو ساد فيما بعد باسم "جوستين" وسيكتب من وحيها روايته الشهيرة التي أطلق عليها نفس الاسم. وجوستين هي "المرأة القادرة على إفساد الشيطان نفسه" كما يصفها دو ساد الذي كان ينكر وجود الشيطان أصلاً كمخلوق، والذي كانت فلسفته الإلحادية هنا قائمة برأيي على مفهوم شديد البساطة والتطرف في آن: "إن كنت مولعاً بالأذى فهذا لأن الطبيعة أرادت منك أن تكون مؤذياً، وإن لم تفعل ذلك فستكون مؤذياً فعلاً"!إن الرسائل التي بين يديّ والتي كتبها في سجنه: "هذا القبر حيث يريدون أن يدفنوني حياً"، هي في معظمها من دو ساد إلى زوجته، ومن زوجته إليه، ومنه إلى والدة زوجته، ومنه إلى الآنسة دي روزيت. وهذه الأخيرة هي فتاة ذكية وخفيفة الظل كانت تعمل كمدبرة منزل، وكان دو ساد قد تعرّف إليها خلال فترة اختبائه حول لو كوست في يوليو عام 1778، وذلك عندما هرب أثناء سوقه إلى فينسيس من بين يدي فرقة البوليس بقيادة المفتش مارياس ـ عميل حماته ـ الذي له معه قصة طويلة ومثيرة جداً من الاعتقالات والهرب والتحدي المتبادل. وقد اخترت من هذه الرسائل اثنتين هما الأقدم من حيث التأريخ، لا لشيء سوى لتمثيل بعض مشاعره وقتها ولبعض الخصائص الأسلوبية والفكرية لهذا الكاتب الحر والمتناقض لدرجة الجنون، الذي يكتب كما يفكر تماماً، بنفس الحرية باختيار المفردات، وبنفس الجرأة على قول الألفاظ وعلى السخرية، وبنفس الكيفية التي يطيل بها الجمل أو يقصرها أو يستخدم الجمل الاعتراضية على هواه، فقط ليكمل البلاغة بالسحر أو السحر بالبلاغة. لقد كتب متمرداً ومحرضاً على التمرد تماماً كما عاش، هذا الذي صرخ ذات يوم من نافذة زنزانته في الباستيل، عندما كانت حشود من المتظاهرين متجمهرة بجوار السجن، مستخدماً الأنابيب ذاتها التي كانت تستعمل للتبوّل كمكبّر للصوت: أيها الناس إن السجناء يُذبَحون في الداخل.. تعالوا لإنقاذهم..

1-من الماركيز دو ساد إلى السيدة دو مونترييل (والدة زوجته) نهاية شباط 1777


من بين جميع أساليب الانتقام والوحشية التي يمكن اختيارها، اعترفي يا سيدتي، أنكِ اخترتِ بالفعل أشدها قسوة وبشاعة. تعالي إلى باريس كي تري بعينيك حسرات والدتي الأخيرة، تعالي لا لشيء سوى لرؤيتها ومعانقتها، هذا إن كانت ما تزال على قيد الحياة، وإن لم تكن كذلك فللبكاء تعالي.. تلك هي اللحظة المناسبة التي يمكنكِ اختيارها لتجعلي مني ضحيتك مرة أخرى. يا لحسرتي، لقد سألتكِ في رسالتي الأولى عما إذا كنت سأجد فيك أمي الثانية أم الطاغية؟. فلم تتركيني في حيرتي طويلاً.. أمن أجل هذا مسحتُ لكِ دموعكِ عندما فقدتِ أباً تحبينه؟ ألم تري كيف كان قلبي وقتها شاعراً بمعاناتك وكأنها معاناتي؟ تراني أتيت إلى باريس لكي أتحداك أو حاملاً بعض المكائد كي يتحتم عليكِ إبقائي بعيداً عنك!.. لقد كان هدفي الثاني بعد الاهتمام بوالدتي هو لتهدئتك فقط وللمضيّ معك قدماً ـ في لجوئي إليك ـ لكي أقبل بكل الخيارات التي تلائمك والتي قد توصين بها. وبغض النظر عن رسائلي، ألم يتوجب على آمبلت ـ الذي لا أثق به ـ أن يخبرك بذلك. لكن الصديق الخائن اتحد معك من أجل خداعي وتدميري، وكلاكما نجح بهذا تماماً. لقد أخبروني أثناء جلبي إلى هنا، أن احتجازي كان ضرورياً من أجل تنظيم عملية لجوئي. فهل كان لي، بالاستناد إلى مقاييس الوفاء بالعهود، أن أخدع بهذه الأحابيل؟ هل أنجزتِ أقل ما يمكن عمله عندما استعملتِ ذات الأحابيل في سافوي؟ وهل قدم تغييبي تلك السنة أقل تحسن؟ أليس من الواضح إذن أن ما تريدينه هو تدميري الكلي وليس إصلاحي؟ أحاول أن أصدّقك لوهلة في أن الرسالة المختومة كانت أمراً لا مناص منه لتجنيبي المزيد من الأفعال الداعية للأسف، لكن هل كان واجباً أن يكون بتلك القسوة وعلى ذلك القدر من الوحشية؟ ألم يكن كافياً إصدار أمر بنفيي من المملكة ليفي بالغرض؟ ألم أكن سأمتثل بنفس الدقة الصارمة عندما أتيتُ طواعية ووضعتُ نفسي بين يديكِ مخضعاً نفسي لجميع متطلباتك؟ كنتُ قد كتبتُ إليكِ من بوردو أن ترسلي لي بعض النقود لكي أتمكن من السفر إلى إسبانيا، فرفضتِ إعطائي أي شيء. لقد كان هذا دليلاً قاطعاً على أن إبعادي ليس هو ما تريدينه وإنما سجني.. وكلما استرجعتُ تلك الأحداث ازددتُ قناعة أنه لم يكن لك نيّة أخرى....لكنني مخطئ يا سيدتي،فقد أخبرني آمبلت بشيء آخر، وهو ما آمل أن يحدث. لقد أخبرني يا سيدتي أن شهادة وفاتي هي الوثيقة الأكثر ملاءمة بالنسبة لك والتي لا مفر منها للتعجيل بوضع نهاية لهذه المسألة المشؤومة. نعم يجب أن تمتليكها يا سيدتي، وأقسم لك أنك ستمتلكينها قبل أن يمر وقت طويل.وباعتباري لن أطيل عمر رسائلي بسبب المصاعب في كتابتها، وعدم نفعها معك، فإن هذه الرسالة ستتضمن أفكاري النهائية، وكوني واثقة من ذلك. إن حالتي المروّعة هذه، كما تعلمين، لا يمكن لها بحال من الأحوال أن تمكنني من احتمال البقاء ـ لا جسدياً ولا عقلياً ـ في سجن موصد. وكما تعلمين أيضاً أنني، في سجن أكثر رفاهية من هذا، خاطرت بحياتي من أجل الهرب. وكوني محروماً هنا من خيار كهذا فلم يبقَ لي سوى أن أقوم بأمر واحد، وهو بلا شك الأمر الذي لا يمكن لأحد حرماني منه.. من أعماق ضريحها أسمع أمي العاثرة الحظ تناديني.. لكأنني أراها فاتحة لي ذراعيها مرة أخرى لأدخل ثانية في الملاذ الوحيد المتبقي لي، فإن ما يجلب لي الراحة هو أن أتبعها قريباً. وإنني أسألك معروفاً أخيراً يا سيدتي هو أن تدفنوني إلى جانبها.لكن أمراً واحداً فقط يثنيني عن ذلك، إنها نقطة ضعفي، والأمر الذي لا بد لي من الاعتراف لك به: إنني لطالما أردت رؤية أطفالي. لقد كنت أعددت نفسي لسعادة غامرة بعناقهم، وذلك بعد التقائي بك. وإن محنتي الجديدة لم تستطع أبداً أن تمحو هذه الأمنية التي يبدو أنني سأحملها معي إلى قبري.. أوصيكِ بهم يا سيدتي.. أحبّيهم ولو كرهتِ والدَهم، واهتمي بتعليمهم فذلك سيحفظهم في إهمالي لهم ـ إن صح ذلك ـ الذي نجم عن محنتي.لو كانوا يعلمون بمصيري المحزن، لرمتْ بهم قلوبهم الوديعة كأمّهم على ركبتيك، ولارتفعتْ حتماً أيديهم البريئة نحوكِ لاستجدائك. إن حبّي لهم هو ما يبعث فيّ هذه الصورة المأسوية التي لن تجدي نفعاً، ولذا فإنني سرعان ما أقوم بمحوها من مخيلتي لما تسببه لي من الألم الرهيب، في وقت كل ما أحتاجه فيه هو الثبات.وداعاً يا سيدتي..


2-من دو ساد إلى زوجته تموز 1777

لا أشكّ أبداً أن أمّكِ الآن تقوم مرة أخرى بارتكاب غدر حقير بي، عن طريق القاضي الذي استخدمته ليقنعني أن حريتي لن تجيء إلا من إذعاني الكامل للنزوات الهدامة تلك التي تعرفينها جيداً. لا أدري ما هو ذلك الانتصار الذي تجنيه بواسطة التهديدات والإجبار. إن ما أمكنها أن تحصل عليه بتلك الطريقة، كان لي أن أرى إعطاءها إياه واجباً عليّ لو أن ذلك تم بإرادتي المطلقة، بالطريقة ذاتها التي أخذتْ بها من قبل إقراري بالجميل!إن امرأة تملك كل هذا الذكاء ـ كما يقول الأب دو ساد ـ لا تدرك حقيقة أن أي توقيع يؤخذ في السجن لا يستحق قيمة الورق المكتوب عليه، وبالتالي فإن التراجع عن العقد الذي يعقده المرء شريطة تحريره من السجن لن يكون في النهاية إلا مخيباً لآمال أولئك الميالين إلى الإساءة بقدر ما هم متطلبون لها، ولن يجنوا في النهاية سوى الخزي. كم كان من الأفضل لها أن يتم التراضي بلا شروط، لقد كانت بذلك ستدفعني على فعل كل شيء دون إكراه. لكن هذا يتضمن لياقة السلوك والحساسية، الأمرين اللذين لم تزوَّد بالمقدره على فهمهما: إن هاتين الكلمتين غير موجدتين في قاموسها.على كل حال فما دام قد حصل ما حصل، فإن الاحترام الذي أكنّه للمفاوض الذي أساءت استخدامه سيجعلني أفعل ما بوسعي، لكن من المحتمل جداً أن ذلك الذي بوسعي فعله ليس كل ذلك الذي تتطلبه، وربما تجهلين تماماً بعض ما قد فعلته في هذا الشأن. عليك يا سيدتي أن تكوني على قناعة بأني لن أكون ذلك الأبله الذي يخدع بمثل هذه الحيل الساذجة والمثيرة للسخرية وبمثل هذه الأكاذيب والخدع التي اعتدتم استخدامها ضدي، لن تخدعوني لا أنتِ ولا أحد من أقاربك أو من حلفائهم الفاتنين.لقد أنجزتُ مؤخرا كتابة نشرتين من أجل تسهيل البحوث الثقافية للدارسين والنقاد والناشرين لكتاباتي، وبذلك سيكونون قادرين على الالتقاط والاختيار.لا شيء باستطاعته أن يصف لك معاناتي بعدما أُحبِط أملي اليقينيّ بمغادرة هذا المكان في أواخر حزيران، لا شك أن مكوثي هنا قد طال بما يكفي.. يا إلهي الرحيم، ما الذي يُدبّر الآن لي؟ هل يريدون بسلوكهم البغيض أن يدفنوني هنا طيلة حياتي؟ اسمعيني الآن للمرة الأخيرة، وإذا لم تجيبيني على هذه المسألة فإني أقسم لك أنك لن تسمعي مني كلمة أخرى على الإطلاق، وعندما سأغادر هذا المكان فإني سأهجرك إلى الأبد. أجيبيني بوضوح: الرقم ثلاثة المكتوب على غير العادة بحبر خفي في رسالتك الثالثة المؤرخة في 23 أيار، هل كان يشير إلى شيء ما؟ نعم أم لا؟ إن كان يشير إلى شيء فأخبريني في نهاية رسالتك القادمة بالحبر الخفي فأنا كما تعلمين شريكك الذكي، وإن كانت لا تعني شيئا فقولي إنني مجنون. إن لديك طريقة ملغزة، وملائمة تماماً لشخصيتك، التي سترشدني الى ما أتساءل حوله، والتي بالتأكيد لن تعرضك للشبهة في أي حال من الأحوال. كوني مطمئنة أنك لو أخبرتني فلن أتنفس بكلمة من ذلك، ولن أكون الشخص الذي يفسد الأمور ويعرضك للخطر.وداعاً الآن، أرجو أن تطمئنيني حول ما سألتك عنه، لقد أصبحت بحاجة ماسة إلى ذلك بعد ما أعانيه هنا هذه الأيام. ولا تحاولي أن تقولي لي أنك لم تستلمي هذه الرسالة لأني أعلم أنها تصلك جميعها، وإن قلت ذلك فلأنك لا تريدين أن تجيبي على ما تحتويه. وعلاوة على هذا فإني أكتب هذا بشكل شديد البلاهة بالأسود والأبيض وبالتالي فسوف تصلك بالتأكيد.إذا أجبت طلبي فسأكون ممتناً لك يا حبّي الأعز.


ملاحظة : هناك فرق بين السادية و المازوكية (نسبة الى ليوبولد مازوخ كاتب نمساوي) , فالسادي يشعر باللذة و  النشوة لإيقاع الألم على الغير اما المازوخي او المازوكي فهو يشعر باللذة لوقوع الألم عليه , فالماركيز دي ساد كان يتمتع بإيذاء من يمارس الجنس معه اما
مازوخ فكان يطلب من عشيقته ان تعذبه و تغتصبه و يشعر بالنشوة لذلك.

المصادر 

 موسوعة الويكيبديا الحرة

  1. ^ Barthes, Roland (2004) [1971]. Life of Sade. New York: Farrar, Straus, and Giroux
  2. ^ Timeline of Sade's life by Neil Schaeffer. Retrieved September 12, 2006.
  3. ^ Mirabeau,Honoré-Gabriel Riqueti (1921). L'Œuvre du comte de Mirabeau. Paris, France: Bibliothèque des curieux. ص. p9.

 

ليست هناك تعليقات :

إرسال تعليق

عبر عن رايك وشاركنا بيه رايك يهمنا ..
ولكن الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية