الأربعاء، 16 يناير 2013

هيدالغو .. الحصان الذي هزم العرب فى بلادهم

هيدالغو .. الحصان الذي هزم العرب في عقر دارهم!‏

قالوا إن الله خلقها من الريح السريعة , تلك هي الخيول العربية , واحدة من أقدم سلالات الخيل وأكثرها شعبية و ‏انتشارا في العالم. و إذا كان الحصان العربي يفوز في المسابقات و يحصد الجوائز في جميع أرجاء المعمورة ‏فهل يعقل أن يهزمه حصان بري هجين في عقر داره , في الصحراء التي لم يطيقها و لم يعرف أسرارها و ‏مسالكها سواه. هذا ما يحاول الفلم الأمريكي هيدالغو (‏Hidalgo‏) إقناعنا به زاعما انه مقتبس عن قصة حقيقية ‏لراعي بقر أمريكي ادعى بأنه عاش لفترة من الزمن في البادية العربية , وطبعا من حق صانع الفلم أن يزعم ما ‏يشاء
, لكن من حقنا نحن أيضا كمشاهدين أن نسأل : هل القصة حقيقية فعلا ؟. ‏

سباق عربي للخيل لم يسمع به اي عربي!

ملصق فلم هيدالغو
الفيلم من إنتاج عام 2004 للمخرج الامريكى جو جونستون و يتحدث عن مراسل في الجيش الأمريكي اسمه فرانك هوبكنز (فيغو مورتنسن) يتنقل بواسطة حصانه الهجين هيدالغوا لإيصال الأوامر و الرسائل العسكرية إلى وحدات الجيش المختلفة.
فلم باتجك سلافيسا
الى اليمين صورة الممثل فيغو مورتنسن الذي مثل شخصية هوبكنز و الى اليسار صورة هوبكنز الحقيقي
 آخر رسالة عسكرية حملها هوبكنز كانت موجهة إلى وحدة عسكرية أمريكية مرابطة بالقرب من مخيم لإحدى قبائل الهنود الحمر , كان الأمر العسكري الذي حمله هوبكنز يقضي بتجريد القبيلة الهندية من سلاحها , و رغم ان أفراد القبيلة رضخوا للأمر و قاموا بتسليم أسلحتهم طوعا إلا إن سوء فهم غير مقصود من احد الهنود الذي لم يفهم ماذا يراد منه لأنه أصم أدى إلى أن يفتح الجنود البيض نيران أسلحتهم بشكل عشوائي مرتكبين مذبحة دموية بشعة أدت إلى مقتل جميع أفراد القبيلة الهندية و هو الأمر الذي ولد صدمة كبيرة لدى هوبكنز وأشعره بالذنب فترك الجيش و عاقر الخمر و اخذ يعمل في إحدى عروض رعاة البقر الأمريكيين التي تصور إحداث المجزرة التي ارتكبها الجيش بحق الهنود!.
في احد تلك العروض يحضر شخص عربي اسمه عزيز فيعجب بأداء هوبكنز و حصانه و يدعوه إلى سباق للخيل يقام في الجزيرة العربية يدعى "محيط النار" و يحاول حثه على المشاركة عن طريق إغراءه بالجائزة المالية الضخمة التي سيحصل عليها في حال فوزه. في البدء يرفض هوبكنز العرض , لكنه يعود و يوافق من اجل غاية نبيلة و هي إنقاذ خيول الهنود الحمر الهجينة (Mustangs ) التي تهدد الحكومة الأمريكية بمصادرتها في حال لم يدفع الهنود مبالغ مالية طائلة مقابلها.
فلم باتجك سلافيسا
الفنان عمر الشريف ادى شخصية الشيخ رياض فيما مثلت الفنانة الانكليزية زليخا روبنسن شخصية ابنته جزيرة
يتوجه هوبكنز إلى الجزيرة العربية و يلتقي بالشيخ رياض (عمر الشريف) المسئول عن السباق و ابنته الوحيدة جزيرة (زليخا روبنسون) , و طبعا فأن الفيلم كغيره من الأفلام الغربية , و بدون أن نخوض في التفاصيل , يظهر الإنسان العربي على انه إنسان جاهل متوحش و غدار , مخادع و طماع , بينما تجتمع كل الصفات الحميدة و الإنسانية في هوبكنز فتعجب به ابنة الشيخ رياض المتطلعة هي أيضا إلى الحرية و الخلاص من تقاليد أهلها البالية و المتشددة.
يشارك هوبكنز في السباق الذي يمتد لـ 3000 ميل عبر الصحراء العربية القاحلة , و في إثناء السباق يفقد الكثير من المتبارين حياتهم و تظهر "دناءة" الفرسان العرب مقابل شهامة و مروءة هوبكنز الذي يفوز في النهاية متغلبا بحصانه الهجين على أصائل الخيول العربية!.
فيلم هيدالغو , كما أسلفت , اظهر العرب في صورة نمطية تعارفت السينما الغربية على إظهارهم بها خلال قرن من الزمان و أنا لن أتطرق إلى هذه الناحية كثيرا كما فعل الآخرون لأن لا فائدة من النقاش العقيم حولها و لكني سأكتب عن الشخص الذي زعم صناع الفيلم انه مقتبس عن حياته , أي عن فرانك هوبكنز الحقيقي , فهذا الشخص كان بطلا حقيقيا , لكن ليس في سباقات الخيل و الفروسية و إنما في الكذب و اختلاق القصص التي لا يمكن لعاقل أن يصدقها.
الكذبة الأولى في حياة هوبكنز تتعلق بتاريخ ولادته , فهو يزعم انه من مواليد عام 1865 , لكنه عاد و قال إن عمره هو 44 سنة و ذلك حين تزوج عام 1929 و هذا يعني إن تاريخ ولادته الحقيقي هو عام 1885 , أي انه كان في الخامسة من عمره حين سافر من الولايات المتحدة إلى الجزيرة العربية و فاز ببطولة سباق أسطوري يمتد لمسافة 3000 ميل عبر صحراء حارة و قاحلة قد يعجز عن اجتيازها اشد الرجال!!.
الكذبة الثانية و التي قامت عليها حبكة فيلم هيدالغو تتعلق بطفولة هوبكنز أيضا , فهو يزعم أن أبوه رجل ابيض فيما أمه امرأة من الهنود الحمر , لذلك فهو يظهر خلال الفلم متعاطفا مع الهنود الحمر و متكلما بلغتهم و يناديه أفراد القبيلة بـ "الطائر الأزرق" أي انه هجين , لكن المشكلة في هذا الادعاء هو أن الهنود الحمر الذين شاهدوا فيلم هيدالغو أعلنوا جليا بأن فرانك هوبكنز لا يمت لهم بصلة من قريب أو بعيد و أن جميع مزاعمه حول نسبه المختلط و علاقته بالهنود الحمر هي من اختراع خياله الخصب كما اعترضوا على الطريقة التي تم فيها استخدام تراثهم و مآسيهم للترويج لفلم متخم بالكذب و المغالطات التاريخية.
في الفيلم كما في الواقع , ادعى فرانك هوبكنز انه عمل لفترة من الزمن مع بيل الثور (Buffalo Bill ) و الذي كان من أشهر شخصيات الغرب الأمريكي في ذلك الزمان و قد أطلق الناس عليه لقب الثور بسبب العدد الكبير من الثيران الوحشية الأمريكية (البايسن وهو في الحقيقة جاموس) التي قام بقتلها بنفسه , و كان بيل هذا يدير ما يمكن ان نسميه سيركا أو مهرجانا متنقلا يظهر فيه جوانب من حياة رعاة البقر الأمريكيين , و هذا السيرك أو المهرجان (Wild West Shows ) كان مشهورا جدا في أمريكا و أوربا في أواخر القرن التاسع عشر , و هناك اليوم متحف خاص عن ذلك السيرك يحتفظ ضمن محتوياته بسجلات كاملة عن أسماء الأشخاص الذين شاركوا فيه , و المثير للدهشة حقا هو أن اسم فرانك هوبكنز لا وجود له البتة في أي من هذه السجلات!.
فلم باتجك سلافيسا
خارطة توضح لك عزيزي القارئ اين سينتهي سباق "محيط النار" .. في بولندا!!
حفلت حياة هوبكنز بالعديد من الأكاذيب حول مغامراته و رحلاته البطولية , لكن يبقى السباق الأسطوري الذي فاز به فرانك هوبكنز عام 1890 في الجزيرة العربية هو كذبته الكبرى , و يتفق العديد ممن اطلعوا على الادعاءات الزائفة لهوبكنز على انه كان يقتبس قصصه مما يقرأه في الجرائد و الكتب عن مغامرات المستكشفين و الرحالة حول العالم , و أنا شخصيا اعتقد أن الرجل كان ذكيا جدا ليختار بقعة من الأرض مثل الجزيرة العربية في القرن التاسع عشر حيث لم تكن تثير اهتمام العالم الخارجي و لم يكن الناس في الغرب يعلمون الكثير عنها , طبعا باستثناء بعض المستكشفين و المنقبين و الجواسيس الانكليز , فلو كان هذا السباق الأسطوري يجري في أوربا أو أمريكا مثلا لأنكشف كذب هوبكنز منذ اللحظة الأولى لأن هكذا حدث كبير لا يمكن أن يمر دون أن تكتب عنه الصحافة و يتابعه الناس بشغف خصوصا أن الخيل في ذلك الزمان كانت مهيمنة كليا على وسائط النقل و تتمتع بشعبية كبيرة , كما إن عامل الإثارة الثاني في هذه الكذبة هي التغلب على الخيول العربية الأصيلة من قبل حصان هجين ... و أين ؟ في موطنها الأصلي! فإلى جانب صعوبة , إن لم نقل استحالة , هذا الأمر فأن الطريف هو أن حصان هوبكنز المزعوم , أي هيدالغو , لم يعثر له على أي اثر أو صورة أو تذكار يثبت بأنه كان حيوانا حقيقيا عاش في يوم من الأيام على هذه الأرض , و الأطرف من كل ذلك هو إن من يعنيهم الأمر , أي العرب أنفسهم , لم يسمعوا في حياتهم قط عن سباق اسمه "محيط النار" يمتد لثلاثة ألاف ميل (4828 كيلومتر) وسط الصحراء , أي أنه ينتهي حتما أما في البحر أو في مكان ما في أوربا و قد يستغرق قرابة السنة ليصل الفرسان المتبارون إلى خط النهاية!! , و قد قمت بنفسي بمحاولة بسيطة لمعرفة كيف جرى هذا السباق واستعنت لهذا الغرض بخارطة جوجل لحساب المسافات (Google Maps Distance Calculator ) و افترضت جدلا أن السباق قد بدء من مدينة عدن في اليمن أي من ساحل الجزيرة العربية الجنوبي و لا يوجد أسفل هذه النقطة سوى البحر ثم جررت خطا باتجاه الصحراء العربية لأعرف أين تنتهي الثلاثة آلاف ميل فإذا بي اعبر السعودية و الأردن و سوريا و لبنان و تركيا لينتهي بي المطاف أخير في بولندا في شمال أوربا!!!
 و قد كان الأجدر بصناع فيلم هيدالغو أن يستعينوا بهذه التقنية البسيطة و المجانية ليعرفوا كذب ادعاء هوبكنز , طبعا أنا لا اقصد بأنه كان عليهم إلغاء فكرة صنع هذا الفيلم و لكن كان عليهم احترام عقول المشاهدين و عدم وضع عبارة (مقتبس عن قصة حقيقية) في بداية الفيلم.
في الختام ينبغي أن اذكر بأن احد الأكاديميين في جامعة الملك فيصل في السعودية قال بأنه لا يوجد هناك في تاريخ السعودية القديم أو الحديث أي سباق خيل بأسم "محيط النار" كما لا توجد أي إشارة إلى شخص بأسم فرانك هوبكنز و يبدو انه من غير المحتمل أصلا أن يكون قد وطء رمال الصحراء العربية بقدميه اللهم إلا في أحلامه و خيالاته التي قد لا يختلف اثنان على أنها كانت خصبة و جامحة
المصادر
1- ويكبيديا الموسوعة الحرة
2-صحيفة الوسط البحرينية - العدد 597 - الأحد 25 أبريل 2004م الموافق 05 ربيع الاول 1425هـ 
3- موقع الخوف

هناك تعليق واحد :

  1. منذر المصري30 مارس 2013 10:30 ص

    مشكور للإيضاح لأنك لو ما تطرقت لهذا الموضوع يمكن نتفرج عالفيلم و نصدق الروايه ( لأن بعضنا لا يفكر بعقله بل بقلبه) لا لا لا لا حتى لو تفكيرنا فقط بقلوبنا لا يمكن أن نصدق ان العرب وفرسانهم دنيئين و ماكرين - مع العلم ان الأجانب أكيد راح يصدقوا هالفيلم لأن عندهم حقد علينا نحن العرب .
    عدا ذلك ..... مشكور ,ربي يعطيك العافيه والصحه
    أتمنى لك دوام التقدم والنجاح

    ردحذف

عبر عن رايك وشاركنا بيه رايك يهمنا ..
ولكن الرجاء الألتزام بأدب الحوار والابتعاد عن المشاحنات وعدم التطرق الى الامور التي تثير الكراهية